الشنقيطي

218

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن

آخَرِينَ ( 11 ) فَلَمَّا أَحَسُّوا بَأْسَنا إِذا هُمْ مِنْها يَرْكُضُونَ ( 12 ) لا تَرْكُضُوا وَارْجِعُوا إِلى ما أُتْرِفْتُمْ فِيهِ وَمَساكِنِكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْئَلُونَ ( 13 ) قالُوا يا وَيْلَنا إِنَّا كُنَّا ظالِمِينَ ( 14 ) فَما زالَتْ تِلْكَ دَعْواهُمْ حَتَّى جَعَلْناهُمْ حَصِيداً خامِدِينَ ( 15 ) [ الأنبياء : 11 - 15 ] . قال ابن جرير « 1 » - رحمه اللّه - في هذه الآية الدلالة الواضحة على صحة ما جاءت به الرواية عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم « ما هلك قوم حتى يعذروا من أنفسهم » حدثنا بذلك ابن حميد . حدثنا جرير عن أبي سنان عن عبد الملك بن ميسرة الزراد قال : قال عبد اللّه بن مسعود : قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « ما هلك قوم حتى يعذروا من أنفسهم » قال : قلت لعبد اللّه كيف يكون ذلك ؟ قال : فقرأ هذه الآية فَما كانَ دَعْواهُمْ إِذْ جاءَهُمْ بَأْسُنا إِلَّا أَنْ قالُوا إِنَّا كُنَّا ظالِمِينَ ( 5 ) [ 5 ] . قوله تعالى : فَلَنَسْئَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْئَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ ( 6 ) [ 6 ] . لم يبين هنا الشيء المسؤول عنه المرسلون ، ولا الشيء المسؤول عنه الذين أرسل إليهم . وبين في مواضع أخر أنه يسأل المرسلين عما أجابتهم به أممهم ، ويسأل الأمم عما أجابوا به رسلهم . قال في الأول : * يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ فَيَقُولُ ما ذا أُجِبْتُمْ [ المائدة : 109 ] . وقال في الثاني : وَيَوْمَ يُنادِيهِمْ فَيَقُولُ ما ذا أَجَبْتُمُ الْمُرْسَلِينَ ( 65 ) [ القصص : 65 ] . وبين في موضع آخر أنه يسأل جميع الخلق عما كانوا يعملون ، وهو قوله تعالى : فَوَ رَبِّكَ لَنَسْئَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ ( 92 ) عَمَّا كانُوا يَعْمَلُونَ ( 93 ) [ الحجر : 92 - 93 ] . وهنا إشكال معروف : وهو أنه تعالى قال هنا : فَلَنَسْئَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْئَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ ( 6 ) ، وقال أيضا : فَوَ رَبِّكَ لَنَسْئَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ ( 92 ) عَمَّا كانُوا يَعْمَلُونَ ( 93 ) ، وقال : وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْؤُلُونَ ( 24 ) [ الصافات : 24 ] ، وهذا صريح في إثبات سؤال الجميع يوم القيامة ، مع أنه قال : وَلا يُسْئَلُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ ( 78 ) [ القصص : 78 ] ، وقال : فَيَوْمَئِذٍ لا يُسْئَلُ عَنْ ذَنْبِهِ إِنْسٌ وَلا جَانٌّ ( 39 ) [ الرحمن : 39 ] . وقد بينا وجه الجمع بين الآيات المذكورة في كتابنا [ دفع إيهام الاضطراب عن آيات الكتاب ] وسنزيده إيضاحا هنا إن شاء اللّه تعالى . اعلم أولا : أن السؤال المنفي في الآيات المذكورة . أخص من السؤال المثبت فيها ؛ لأن السؤال المنفي فيها مقيد بكونه سؤالا عن ذنوب خاصة . فإنه قال : وَلا يُسْئَلُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ ( 78 ) فخصه بكونه عن الذنوب ، وقال : فَيَوْمَئِذٍ لا يُسْئَلُ عَنْ ذَنْبِهِ إِنْسٌ وَلا جَانٌّ ( 39 )

--> ( 1 ) جامع البيان 8 / 89 .